الشيخ عبد الغني النابلسي
436
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
وكذلك حديث التحول في الصور لأهل المحشر « 1 » فهو ظهور في مادة ، أرأيت بأن هذه الرؤية الأخروية الواردة ثبوتها في الكتاب والسنة مقرونة باسم الرب تعالى دون غيره من الأسماء . قال تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) [ القيامة : 22 - 23 ] ، وقال موسى عليه السلام في الدنيا : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [ الأعراف : 143 ] ، وقال تعالى في الكافرين كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ( 15 ) [ المطفّفين : 15 ] . وقال عليه السلام : « إنكم سترون ربكم » « 2 » ، واسم الرب من أسماء الإضافة فلا بد فيه من مربوب . ففي حالة الرؤية يكون الحق تعالى ظاهرا بصفة ربوبيته شيء فذلك الشيء هو مادة ظهوره تعالى وأثر تجليه فتقع رؤية الحق تعالى فيه غير أن المظاهر مختلفة ولا أتم وأكمل مما ورد عن الشارع صلى اللّه عليه وسلم فإنه ورد عنه حديث : « حبب إليّ من دنياكم ثلاث » « 3 » المذكور هنا وحديث : « رأيت ربي في صورة شاب أمرد » « 4 » وكان يأتي إليه جبريل عليه السلام في صورة دحية بن خليفة الكلبي وهو من أحسن أهل زمانه ، فمظاهر الحسن أكمل في الشهود من جميع المواد . فإن اللّه تعالى بالذات ، أي من حيث هو بلا مظهر يكون أثرا من آثار أسمائه تعالى يتجلى به لعباده العارفين غني عن العالمين فلا ظهور له من هذا الوجه الذاتي من حيث ما هو عليه في نفسه للعالمين أصلا ولا يعرفه أحد من هذا الوجه لإفنائه كل شيء فلا عارف ولا معروف ، وهذا الكشف أوّل مقامات السالكين وهو آخرها وفيه قال صلى اللّه عليه وسلم : « كان اللّه ولا شيء معه وهو الآن على ما هو عليه » « 5 » . فإذا كان ظهور الأمر الإلهي من هذا الوجه الذاتي من غير مادة تكون مظهرا للحق تعالى عند العبد العارف به تعالى ممتنعا بحيث لا مطمع في ذلك أصلا لاقتضائه مساواة الرتب العدمية الاعتبارية للذات الوجودية . قال تعالى : قُلْ جاءَ الْحَقُّ [ سبأ : 49 ] ، أي اتصف الصرف المطلق بتحققه لذاته من غير حدوث اتصاف له وزهق الباطل ، وهو مراتبه العدمية الاعتبارية الأزلية الأسمائية والإمكانية ، وهو الفناء في الوجود والاضمحلال في الشهود أن الباطل المذكور كان زهوقا ، وهذا معنى كونه زهق ، أي ظهر أنه زهوق من قبل ولا قبل ولا ظهور ولا بطون بل هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ [ ص : 67 ] هم فيه مختلفون كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ( 4 ) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ( 5 ) [ النبأ : 4 - 5 ] ولم تكن الشهادة والكشف عن الحق تعالى إلا
--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 2 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 3 ، 4 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 5 ) هذا الحديث سبق تخريجه .